ضيف الموقع : Dr.Almakhzomy
بحوث في تاريخ ابن عساكر
[1]
التمهيد:
كان أول نمط من التأليف التاريخي عند المسلمين قد عني بمعنى التسجيل فاهتم لذلك بمنهج الرواية وتوثيقها، وقد اضطلع بهذه المهمة الإخباريون؛ وعني النمط الثاني بمعنى الإلهية في التاريخ فاهتم بفكرة العظة والتأسي والتعبير عن حقيقة الرسالات السماوية ووحدتها الجوهرية، وهذا ما نراه عند الطبري ومعاصريه الذين أداروا فكرة التاريخ حول معنى العبرة والتأمل في فعل العناية الإلهية المدبرة لكل أحداث التاريخ من اجل غاية سماوية عليّة.
ثم إن التأليف التاريخي عرف نمطا ثالثا على أيدي مؤلفين عبروا عن تعلقهم بالمعرفة التاريخية لذاتها ولأغراض ثقافية عامة، مثلما نجده عند ابن قتيبة واليعقوبي والمسعودي، فهؤلاء لم يكونوا مؤرخين فحسب بل كانوا أصحاب نظرة ثقافية في فكرة التاريخ، ولذلك يؤكد ابن قتيبة في مقدمة كتاب المعارف على أن من أهداف تأليفه الكتاب هو التأدب والتعلم من أخبار السابقين ونقل خبراتهم الى مجتمعاتهم في حلقات الدرس ومجالس النخبة، وهذه الغاية الثقافية العملية من الاهتمام بالتراث التاريخي تختلف عما نعرفه عند الإخباريين الأوائل أصحاب النظرة في الرواية بغرض التوثيق والتسجيل وأصحاب العبرة والتأمل.
وتتعمق العناية الثقافية التي تطور اليها علم التاريخ في القرن الرابع الى الاتصال المباشر بالمصادر التاريخية لغايات ثقافية أخرى تتجاوز فكرة التوثيق المطلق بعد تطور وعي الأمة الإسلامية لذاتها التاريخية باتساع آفاق الدولة الإسلامية ونشوء دويلات متعددة ذات ألوان حضارية متباينة وإن جَمَلها أصلٌ واحد هو الإسلام والخلافة التي بقيت في ضمير الأمة الإسلامية رمزا للوحدة على الرغم من كل ما عرفه العصر العباسي من الانقسام وتعدد الدويلات، ومن هنا أصبحت الرؤية التاريخية في هذه المرحلة تقوم على الاعتراف بالتعدد المنبثق عن الوحدة والمنتظم فيها في نفس الوقت.
ولذلك أخذ علماء كل إقليم منذ القرن الرابع يعنون بالتاريخ لإقليمهم عن طريق السير والتراجم أو الحوادث التاريخية، ومثل هذه المؤلفات الإقليمية تتضمن كثيرا من المواد التاريخية ذات القيم العلمية الخاصة، لان المؤلفات الجامعة ذات الصبغة الواحدية في تفسير التاريخ كما نعرفها عند الطبري لم تعن عناية كافية بالاعتراف بهذا التعدد الذي عرفته الحضارة الإسلامية منذ القرن 4هـ/10م. وفي هذه المؤلفات ذات الطابع الإقليمي أخذت تضعف تلك النزعة الدينية القديمة في تفسير التاريخ في مقابل اكتسابها طابعا مدنيا ومالت الى الاقتصار على ذكر أخبار الإقليم أميرا وحاشية وعلماء وتجار وصوفية ومغنين وغيرهم من الناشطين الذين تغني حركتهم البعدَ التاريخي للإقليم في مناحي العلاقة مع ما يحيط من أقاليم وحاضرة الدولة.
ومن أهم دواعي اتجاه المؤرخ الى الإقليمية الحوادث السياسية والابتعاد عن المرجعية المركزية في إدارة الدولة، ففي حاضرة الخلافة بغداد تسلم زمام السلطة البويهيون في 334هـ/946م وما صاحب عصرهم من أحداث وتقلبات خطيرة هيأت الى جيل جديد من التسلط لاستلام مقاليد الدولة هم السلاجقة في 447هـ/1055م. وأما دمشق فلم تكن بمنأى عن رحى الصراع، وبعدئذ احترزت بغداد السلطة وخطفت الأضواء منها، وباتت دمشق على هامش العزلة تتوازعها الخلافات القبلية من نزارية ويمنية، وكانت بحكم موقعها تتداولها شهية الحكم في مصر من طولونيين وإخشيديين وفاطميين ودويلات الموصل وحلب من حمدانيين وأتابكة، فضلا عن أن الشام أصبحت محط أنظار الفرنجة الصليبيين.
ويشكل النشاط الاجتماعي أهمية بالغة في تكوين الشخصية الإقليمية، وقد امتازت المدن الكبرى بالانفجار السكاني، فبغداد- مثلا- كانت مجتذب أنظار الناس على اختلاف مشاربهم وتنوع أعمالهم، ويؤهلها موقعها السياسي والاقتصادي والجغرافي لأن تزدحم بالنازلين، ففيها الخلافة والوزراء والأمراء والأثرياء وما يحتاج اليه من إدامة الحياة المترفة، وما تحتاجه من أيدي عاملة وما تستقطبه من شعراء وكتاب وعلماء من صنوف شتى يصعّد من نشاط الحركة الفكرية، وهذه الشريحة تحتاج بالضرورة الى مدارس ومساجد ومكاتب ومنازل وحمامات وخدمات أخرى، فضلا عن أنها كانت محطة لنزول حجاج بلدان مشرق الخلافة، وثمة من وصف بعض خدمات بغداد بأن فيها ستين ألف حمام وثلاثمائة ألف مسجد( 1)، وعلى الرغم من المبالغة في هذه الأرقام إلا أن فيها دلالة شافية على سَعَة المدينة وتضخمها سكانيا. ولم تختلف دمشق عن بغداد بكثير سوى بمستلزمات العاصمة الخلافية، فقد كانت مركزا تجاريا وموقعا جغرافيا مثلثا يوصل بين مصر والمغرب العربي وبين بغداد والمشرق الإسلامي وبين الديار المقدسة فيؤمها العلماء والحاج.
ولعل النشاط الفكري من أبرز مظاهر المجتمع المدني، وقد امتازت به بغداد أكثر من غيرها حتى أصبحت قبلة طالبي المعرفة على أفنانها وأضحت العلوم الدينية والدنيوية من أسمى غاياتها، ففي الحديث كان المحدثون البغداديون الفيصل في تقييم أهل الحديث، وكان فيهم كبار الأئمة إذ يقصدهم أصحاب الحديث من الآفاق ليعرضوا بضاعتهم على ميزان الجرح والتعديل، ثم أن مساحة الحرية في تداول مختلف العلوم لشتى المذاهب الفقهية والفكرية كانت لا بأس بها في القرن4، 5هـ/10، 11م على نحو أتاح فهم المذاهب الإسلامية بعضها بعضا في علومها ومسائل الخلاف مما طفقت الى السطح المعرفي علوم شاملة تعنى بالأصول المقارن والفقه المقارن وغيرها.
وكان لظاهرة التأثر والتأثير بين الشيوخ وتلامذتهم على أجيالهم دور في تحريك التأليف باتجاه الإقليمية، فطالب العلم بعد أن يعود من رحلته المعرفية ناضجا، يرى نفسه قمينا بنتاج كتاب تاريخي لمدينته من خلال معرفة الشيوخ والتلاميذ ويوثق لكل من حدث أو سمع في منتديات البلد، ويضرب أمثلة وينشد شعرا ويذكر جملة من أخبار النخبة، فيكون مجموعها تاريخا، ولكن يغلب عليه نشاط الفكر الديني في حركة المحدثين والفقهاء، وهو ديدن العصر.
ويرى بعض الباحثين( 2): أن ذلك- جملة- لا يعني إن هذه الإقليمية الضيقة في الرؤية التاريخية كانت الصفة الغالبة على مؤرخي هذه المرحلة في التاريخ المحلي، فقد كان هناك من يهتمون بالتوثيق السندي حين يكون التوثيق السندي هو الوسيلة الواجبة للحصول على الحقيقة التاريخية، ويجمعون بذلك على رؤيتهم التاريخية بين الصيغتين المدنية والدينية معا، فلا يشغلهم هذا التعدد الظاهري في حضارات الأقاليم الإسلامية المختلفة عن الفكرة الأصلية التي تقوم على الوحدة والعالمية؛ ويظهر هذا المنحى جليا في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي وتاريخ دمشق للحافظ الدمشقي.
الهوامش
(1 ) ذكره الخطيب البغدادي عن كتاب بغداد لابن أبي طاهر طيفور. تاريخ بغداد1/130
(2 )عفة الشرقاوي: في فلسفة الحضارة الإسلامية (بيروت، دار النهضة1981م) ص27 .