ضيف الموقع : dr.ALMAKHZOMY
الأنساب وأثرها في تدوين التاريخ الاسلامي
دراسة مقارنة
dr.ALMAKHZOMY
تعد مادة الانساب من الاصول القديمة التي ساعدت على ظهور التاريخ، وتوطيده كمعرفة ذات اهمية في منظومة الفكر الاسلامي . وكان النسب يعبر عن تاريخ القبيلة في اضفاء القصص التاريخي او الحوادث المتوارثة في النقل عن سلسلة العمود الفقري ، او المشجر النسبي للقبيلة . وكان العربي قبل الاسلام يعنى بهذا النسب عناية بالغة ، فهو كيانه الذي يعتز به ويفخر ، ووجوده الذي يميزه عن الاخرين .
وعلى الرغم من ان الاسلام جب العادات المتراكمة في الموروث القبلي على المستوى التعبدي والسلوكي المبني على الحَمِيَّة الجاهلية، غير انه وازن بين العناية بالقبيلة في حدود التعارف اي الانتساب [ابن منظور: لسان العرب ( عرف)]، وبين التقوى التي عدها الاسلام منزلة دينية رفيعة ، ومكرمة للانسان : كما في قوله تعالى: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا انَّ اكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ اتْقَاكُمْ [سورة الحجرات / ايه 13] ، واول عناية يوجهها الاسلام للعشيرة بكونها اولى بالرعاية في هذا الدين والدخول في كنفه بقوله تعالى : وَانذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقْرَبِينَ [سورة الشعراء / ايه 214.]، وقد وظف الاسلام النسب وتعلمه في خدمة صلة الرحم ، وهي غاية اسلامية نبيلة ، كما في قول الرسول (ص) : تعلموا من انسابكم ما تصلون به ارحامكم)) [ احمد بن حنبل: المسند 3/374]. واورد ابن عبد ربه [العقد الفريد 2/30] قول الرسول (ص): ((تعلموا من النسب ما تعرفون به احسابكم وتصلون به ارحامكم)). ونقل ابن قتيبة قولا للخليفة عمر (رض): (( تعلموا النسب فربّ رحم مجهولة قد وصلت بنسبها )) [عيون الاخبار 1/ 196]. ونتلمس اهمية صلة الرحم والعشيرة في وصية الامام علي (رض) لابنه الحسن، قوله: ((اكرم عشيرتك فانهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي اليه تصير، ويدك التي بها تصول)) [ابن عنبة: عمدة الطالب 6].
ومهما يكن من أمر فان العناية بالانساب في عصر صدر الاسلام واجهت فتورا، حيث انضوى الناس تحت راية التوحيد القائمة على التقوى والايمان والجهاد بدل راية القبيلة المستندة الى العصبية والحمّية. غير ان حوافز جديدة اسهمت في تجديد النظرة الى الانساب وتاكيد اهميتها ، كالحاجة اليها في تنظيم الدواوين والعطاء، وتنظيم الجيش على الاساس القبلي الذي اعتمد عليه كليا في الاسكان في الامصار المفتوحة، كما في مدن العراق: الكوفة، والبصرة. وسرعان ما ظهرت عصبية محلية للامصار ، واعتزاز بها لدى القبائل التي تسكنها ، ثم ان التطورات السياسية العامة ساعدت في البدء على تقوية الخطوط القبلية ، وعلى زيادة الاهتمام بها [الدوري: نشاة علم التاريخ 39]، ومن هنا تشكلت مدارس جديدة ، في الامصار ، ونجمت مدرسة العراق الذي اصبح حاضرة الدولة الاسلامية ، واولت اهتماما كبيرا للانساب ، فضلا عن ان هذا الاهتمام ترسخ اكثر من خلال تطور ظاهرة الموالي، والتي نتجت عن جملة احتكاكهم بالعرب فكرة الشعوبية وابعادها العدائية للعرب، واصبح الاهتمام بالنسب منطلقا من حاجة العرب الى الدفاع عن مراكزهم واوليتهم الاجتماعية .
وان تطور الاهتمام بالنسب من جوانب متعددة ، كان حقيقا ان يعطي الانساب مكانة بارزة بين المعارف الاسلامية المطلوبة، وبالتالي يشكل تدوينها فرعا من فروع التاريخ المهمة . ويرى بعض من عني بعلم التاريخ الاسلامي نحو روزنثال [علم التاريخ عند المسلمين 139]: ان الاهتمام بالنسب كان قائما عندما بدا علم التاريخ الاسلامي يظهر الى الوجود ، بل ربما كان النسب اسبق من التاريخ في التدوين, وان اهمية الانساب كشكل من اشكال التعبير التاريخي ذي دلالة على وجود الاحساس التاريخي. ثم ان دراسة الانساب تخدم علم التاريخ في المادة وفي خطة الكتابة [الدوري:م.س].
ولعل اول تدوين تاريخي للانساب عند العرب المسلمين ، كان يزامن نشاة الدواوين في عصر الراشدين ، حينما كلف الخليفة عمر () ثلاثة من الراسخين في الانساب ، هم : جبير بن مطعم ، ومخرمة بين نوفل ، وعقيل بن ابي طالب ، ان يدونوا ثبتا بانساب العرب على قبائلهم حسب قربهم من الرسول () ليقوم على اساسة الديوان[ابن سعد: طبقات 3/ 295 ، الطبري: تاريخ 5/ 22].
بيد ان العرب مافتئت تعنى بالانساب حفظا ورواية مثل العلوم الاخرى حتى بدايات القرن الثاني الهجري ، فانها كانت تاخذ الانساب عمن اشتهروا بروايتها ، وكانوا من اعلم الناس فيها وارسخهم ومنهم في القرن الاول: عقيل بن ابي طالب (ت50هـ)، قالابن النديم [الفهرست 14]: اخذ عنه ابو صالح نسب قريش، وحكيم بن حزام (ت54هـ) قال البغوي : كان عالما بالنسب [ابن حجر: تهذيب التهذيب 2/61]، وحويطب بن عبد العزى العامري (ت54هـ) كان رابع اربعة يتحاكم اليهم علم النسب. [المدني :الدرجات الرفعية 154 ؛ وينظر ابن عبد البر الاستعياب 1/ 384]، ودغفل بن حنظلة السدوسي ذكره ابن قتيبة باسم دغفل النساب [المعارف 534]، وجبير بن مطعم (59هـ) وقد عده مترجموه من مشاهير علماء النسب في عصره ، وذكروا ان الخليفة عمر () اختاره ثالث ثلاثة في وضع ثبت في انساب العرب لاجل تنظيم ديوان العطاء [ابن سعد : الطبقات 3/295 ، الطبري : تاريخ 5/23 ]، وابن الكيس النمري وهو زيد بن عبيد الله بن مالك ، روى عنه عبيد بن شرية [ابن النديم:133]، وصحار بن العباس العبدي( ) , وعبيد بن شرية (67هـ) ( )، وعبد الله بن عمرو بن الكواء ترجم له ابن قتيبة بانه : كان ناسبا عالما كبيرا . [المعارف 535 وينظر: ابن النديم 133]، وغيرهم( ).
ثم انتقلت معرفة الانساب الى عصر التدوين في القرن الثاني الهجري ، ونسبت كتب الانساب لمن اشتهروا بالنسب مثل الزهري (-124هـ) استخدمه مصعب [ نسب قريش 4/ 128 ، 147- 156] ومحمد بن السائب الكلبي (-146هـ)( ) ومؤرج بن عمرو السدوسي (-195هـ) له كتاب (( جماهير القبائل ))[ ابن النديم : الفهرست 70 ، ابن الانباري : نرهه الالباء 105 ]. وخراش بن اسماعيل الشيباني لـه (( اخبار ربيعة وانسابها )) [ابن النديم: الفهرست 157]، واما من صنفوا في علم الانساب ، وظلت مصنفاتهم موردا لمن بعدهم ، فهم من اعلام اواخر القرن الثاني وبداية القرن الثالث . منهم : ابو اليقظان (-190هـ) له : (( نسب خندف، و كتاب النسب الكبير )) [ابن النديم 138] وهشام بن الكلبي (-204هـ) له ((جمهرة النسب )) [ابن النديم 134] ، والهيثم بن عدي (-207 هـ) وله (( تاريخ الاشراف ، ونسب طي ))[ ابن النديم 145] وابو عبيده (-209هـ) وله (( بيوتات العرب . ومقاتل الاشراف )) [ابن النديم 80] ، والاصمعي (-216هـ) له ((النسب ))[ ابن النديم 83] ، والمدائني (-225هـ) له (( البيوتات ، ونسب قريش )) [ابن النديم 148، 151]، ومحمد بن سلام (-232هـ) له : بيوتات العرب ، وانساب قريش )) [ابن النديم 165 ، 161]. ومصعب الزبيري (-236هـ) له (( النسب الكبير ، ونسب قريش)) [ابن النديم 160]، ومحمد بن حبيب (-245هـ) له (( القبائل الكبير ، النسب ))[ابن النديم 155] ، والزبير بن بكار (-256هـ) له (( نوادر اخبار النسب, ونسب قريش ))[ ابن النديم 161 ، 155 ، ابن خير : فهرسة ما رواه 231]، وعمر بن شبه (-262هـ) له (( النسب ))[ ابن النديم 163].
ومن المفيد هنا أن ندرس منهج ابن قتيبة في كتابة النسب كمعرفة تاريخية في كتاب المعارف, ولانه ذكر في المقدمة ان من دواعي تاليف كتابه جهل الناس أنسابها بقوله : ((اني رايت كثيرا من الاشراف من يجهل نسبه، ومن ذوي الاحساب من لم يعرف سلفه، ومن قريش من لا يعلم من اين تمسه القربى من رسول الله () واهله، والرحم بالاعلام من صحابته )) , وعرض شواهد لاكثر من رجل ينتمي الى غير أهله، واخر ينتسب الى من لا عقب له, فقال: ((ورأيت من ينتمي الى الفصيلة ولا يدري من أي العمائر هي, والى البطن وهو لا يدري الى أي القبائل هو, ورأيت من رغب بنفسه عن نسب دق فانتهى الى رجل لم يعقب, كرجل رأيته ينتسب الى أبي ذر ولا عقب له, وآخر ينتمي الى حسان بن ثابت وقد انقرض عقبه, وآخر من طي قال أنه من صلب عدي بن حاتم,... فقال له المامون: هيهات, أضللت ان أبا طريف لم يعقب)).
ابتدا ابن قتيبة في مادة انساب العرب بنسب عدنان وانتهى به الى ابراهيم() على ثلاثة اقوال، ثم تناول ولده نزولا ، واولى اهتماما اكبر لسلسة عمود النسب المرتبط بالرسول ()، مثل : نزار ، ومضر ، ومدركه بن الياس ، وكنانة ، والنضر، لينتقل الى قريش[المعارف 67]، ويتناول افخاذ قريش حتى نسب بني هاشم ، ونسب بني اميه [المعارف 72].
ثم يرجع الى ولد طابخة بن الياس[م.ن74-91]، وبطونهم وافخاذهم من تميم، وبكر ، ومازن ، وذبيان ، وعبس، وكعب ، وفزارة ، وهوازن ، وثقيف. ثم يعرج على اولاد ربيعة بن نزار بن معد، وبطونهم من تغلب، ووائل، وبكر[م.ن92-101] . ثم يذكر نسب اليمن، وهم من ولد قحطان: يعرب ، سبا[م.ن102-108]؛ وذكر بطونهم : لخم ، وغطفان ، وحرام ، وحمير ، وقضاعة ، وكهلان ، وطي ، وهمدان ، و مذحج ، ثم ذكر نسب الاوس، والخزرج[م.ن108-111]. وينتقل - اخيرا- الى مبحث نسب الرسول ()[م.ن117- 149]، ويذكر جده ، وابيه ، واعمامه ، وعماته ، وامهاته، وجداته ، وظآره، وازواجه ، واولاده .
اتبع ابن قتيبة منهج الاختصار في ايراد الانساب والاولاد مقتصدا على من يعقب منهم ، وقد اولى اهتماما ملحوظا لاجداد الرسول، وكان يذكر البطون ويقتصر على ذكر المشهورين العائدين اليها، كقوله : (( ومن الاشراف من بني شيبان)) [م.ن100] ويذكر عدة اسماء ، و احيانا يذكر سبب شهرتهم التاريخية كقوله : (( ومنهم : شبيب ، وقعنب الخارجيان ... ومنهم هاني بن مسعود صاحب يوم ذي قار ... ومنهم جساس قاتل كليب ... والمثنى بن حارثة الذي افتتح السواد ... ومنهم قيس بن مسعود الشيباني سيد بكر بن وائل ... ومنهم بنوا الشقيقة ، نسبوا الى امهم ))[م.ن101] وقد يكون الاسم مدعاة الى ذكر نادرة تاريخية نحو قوله : (( وهلك المثنى ، فتزوج سعد ابن ابي وقاص امرأته سلمى، فنظرت الى اهل القادسية، فقالت: القوم اقران ولا مثنى لهم ؛ فلطم عينها))[م.ن101].
اغفل ابن قتيبة ذكر موارده في هذا القسم تماما، ولم يذكر سوى عبارات مطلقة لا تدل على قائلي النسب، كقوله : (( اختلف النساب ))، و((النسابون يختلفون ))، و(( يزعم قوم ))، او ((بعض النسابة يزعم ))، و(( يزعم نساب مضر ))، و((اجمع النسابون ))[المعارف 117- 63، 64، 179، 103، 101]. فان هذه الصيغ وان كان فيها معنى الاطلاق الا ان فيها دلالة واضحة على ان ابن قتيبة اطلع على اغلب الروايات والكتب المؤلفة في النسب قبله ، فقابلها ووازن بينها ، وإلا كيف عرف اختلاف النساب ومواطن زعمهم واجماعهم ؟ وكان ابن قتيبة يعنى بالدقة في اخراج معارفه من مظانها فقد عرض نسب ابراهيم () الذي اورده عن وهب بن منبه على العهد القديم بقوله : وقابلت بهذه النسبة ما في التوراة فوجدتها مناسبة ))[م.ن30].
ثم ان ابن قتيبة كان سليل مدرسة الاصمعي، الذي صنف في النسب [ابن النديم 83]؛ وكان كتاب النسب الكبير لابن الكلبي اكثر شيوعا ، فقد اختصره القاسم بن سلام (224هـ) بـ(( كتاب النسب )) [بتحقيق مريم الدرع ( بيروت 1989 )] ؛ وثمة دليل عصري على تاثر ابن قتيبة بابن الكلبي هو ظهور مخطوطة في باريس( ) , وقد كتب عنها . (( اوراق من كتب النساب العربية ، ويغلب على الظن انها من جمهرة النسب لهشام بن محمد الكلبي، وبمقارنة نص هذه الاوراق بكتاب المعارف لابن قتيبة ، بدا ان ابن قتيبة رجع الى هذه مع ادخال بعض التغييرات على النصوص التي نقلها منها ))( ). وارجح ان يكون قسما من كتاب كبير في الانساب الفه ابن قتيبة ، احال عليه في المعارف بقوله : ((وقد بينت ذلك في كتاب النسب الكبير )) ( ) .
كان هذا ديدن ابن قتيبة ، فانه يخوض مخاضات الكبار من مؤلفي عصره ، ويضارعهم في نتاجهم بمثله ، كما في (( غريب الحديث )) على كتاب القاسم بن سلام بنفس العنوان، والــــف ((الشعر والشعراء )) وسماه غير واحد ((طبقات الشعراء)).
يكاد يتفق المصنفون في النسب على عدم ذكر مواردهم في الفروع ، عدا ابن هشام في السيرة فانه يذكر في أول مقولاته في النسب (( قال ابن اسحاق )) ليفرقها عن قوله (( قال ابن هشام )) . غير انهم يذكرون مصادرهم في بداية الكتاب وفي غضونه : كما يروي مصعب انسابه عن محمد بن شهاب الزهري [نسب قريش 3، 86، 87، 91 ]؛ ويذكر البلاذري مصادره : هشام بن محمد الكلبي ، وابوالحسن المدائني عن ابي اليقظان ، ومحمد الاعرابي (231هـ) عن المفضل (168هـ)[ انساب الاشراف 1/15،21].
وفضلا عن تجاهل ابن قتيبة لمصادره في النسب ، فانه لم تظهر شخصيته كمؤلف في الانساب الا على نحو عارض، على سبيل التوضيح الصرفي او اللغوي ، كقوله (( ليس في كلام العرب اسم على ( فُعَل) الا الدؤل))[ المعارف 66]، او شرح ضرورة للقافية كما في قول لبيد في ولد مالك بن جعفر (( نحن بني ام البنين الاربعة )) قال : (( فجعلهم اربعة وهم خمسة للقافية )) [المعارف 89]. وله ظهور سلبي عندما اقر بعدم فهم افخاذ ((فهم )) بن عمرو بن قيس عيلان بقوله:(( فمن فهم تابط شرا ، ولااعرف افخاذهم ))[م.ن79].
وفي المقابل توحي هذه العبارة الى ان ابن قتيبة كان امينا في نقله ، ولم يدع معرفة كل نسب ولم يهمله تحت طائلة الاختصار ، وفي مطالعة لترجمة (( تابط شرا )) في كتابه (( الشعر والشعراء )) نجده يؤكد عدم معرفته نسبه كاملا ، بقوله عن الاصمعي : (( وهو ثابت بن جابر بن سفيان )) ... وهو من فهم[الشعر والشعراء 229- 231]؛ في حين نسبه ابن الكلبي الى حرب بن تيم بن سعد بن فهم ؛ بقوله: (( منهم تابط شرا )) ثابت بن جابر بن سفيان بن عدي بن كعب بن حرب )) [ياقوت: المقتضب 183].
ومن خلال عرض فصل النسب في المعارف على مصنفات النسب المدونه قبله ، نجد انه كان اقرب الى ابن اسحاق من غيره في مادة : قبائل مضر وبطونها ، سيما يجمعها هدف الحفاظ على عمود النسب في الوصول الى الرسول () ، واشباع هذه الطريق يستوجب طي المداخلات النسبية الاخرى حتى يستوفي هذا الجانب حقه .
واما عندما يتجه الى ولد طابخة بن الياس ، اوبقية ولد مدركة بن الياس ؛ فانه يتقارب مع ابن الكلبي في هذا الاتجاه ، على انه يظل يتارجح في تناوله بين البطون وبين الولد ، وينتقي المشهورين منهم .
وقد يتفق مؤلفوا النسب عند ذكر ولد المنتسب اليه على تقديم الاكثر شهرة على الاقل في ذكر اسمه والشرح عليه ، بينما يقدمه ابن قتيبة في الذكر، ويؤخره في الشرح والتعريف ليستمر في الحفاظ على عمود النسب المتمثل في اجداد الرسول () دون انقطاع ، كقوله : (( واما غالب بن فهر ، فولده لؤي بن غالب ، وتيم ؛ فاما تيم فهم بنو الادرم … واما لؤي فاليه ينتهي عدد قريش وشرفها )) [المعارف 68 ].
ثمة اهتمام لدن مصنفي النسابة في تسجيل اسماء الامهات ، وكل واحدة تثبت بعد ولدها ، ذكورا واناثا ، ثم قد يعرجون على ازواج الاناث . في حين لم يلحظ هذا الاهتمام عند ابن قتيبة فكان لا يذكر اسماء الامهات او البنات الا ما ندر، والندرة عنده قائمة على الشهرة التاريخية باحد اسبابها ؛ فقال - مثلا- في ثلاثة من ولد عبد شمس (( يسمون العبلات ؛ لان امهم اسمها عبلة )) ( ) وقد يكون سبب شهرتها ابيات من الشعر ، في قوله : (( واما امية الاصغر ، فمنهم الثريا ، التي شبب بها عمرو بن ابي ربيعة )) [المعارف 73]، ولم يذكر الابيات التي شبب فيها( ). وحينا تكون الشهرة من خلال علاقتها وموقفها من الرسول () . كما في قوله (( واما حرب بن امية ، فهو ابو ابي سفيان بن حرب ، وام جميل بنت حرب، حمالة الحطب ، امراة ابي لهب ))[م.ن.ص]. اولها علاقة بآل الرسول () نحو قوله (( فمن بني الوحيد ام البنين ، كانت عند علي بن ابي طالب () فولدت له العباس وجعفر وعبد الله )) [المعارف 88 ]، ولم يذكر ولدها الرابع عثمان.
اما في مبحث نسب النبي () وذكر متعلقية من اعمام واخوال وزوجات وظآر، فقد استخدم ابن قتيبة الموارد النقلية ، بصيغة (قال) : اقتباسا واحدا لكل من (( ابي صالح صاحب التفسير ))[ م.ن 122]، و(( ابن الكلبي )) [ م.ن 124]، و(( مجاهد )) [ م.ن 140]، واقتباسين من الواقدي[ م.ن 123]، وخمسة اقتباسات من ابي اليقظان[ م.ن 130, 139 ,140]. وذكر نقولا بصيغ غير دالة على اصحابها ، نحو : ((قال بعض اصحاب الاخبار )) مرة واحدة[ م.ن 144] ، و((قال بعضهم )) في اربع[ م.ن 145 ، 146 ، 147 ]، و (( قال اخرون )) في ثلاث [ م.ن 145, 146]، و(( قال غيره )) في اثنتين [ م.ن 141, 143 ]. كما واستعمل الموارد السمعية في خمس روايات عن شيوخه ابي الخطاب[ م.ن 134]، ومحمد الزيادي[ م.ن 143] ، وزيد بن اخزم[ م.ن 144, 148]، واحمد بن موسى[ م.ن 146].
وفي هذا القسم يلحظ ان شخصية ابن قتيبة تظهر بجلاء؛ ففي سياق المادة ينظر في تسمية عبد المطلب (( عامر )) [ م.ن 117] في حين اسمه عند اصحاب النسب (شيبة الحمد)، وفي الاسلوب كانت صيغة (( قال ابو محمد )) في تكرارها [م.ن 117، 118 ، 129 ، 131 ، 133 ، 134 ، 143 ، 144 ، 148] دليل على هذا الوجود ، واستخدم - حينا - لفظ (قال ابن قتيبة) [ م.ن 134].
وفي معرض المقارنة ومثال ابن قتيبة نتلمس بعض مناهج النسب كأحد أثافي علم التاريخ وتدوينه من خلال التعرف على مواردهم التي يصرحون بها وغيرها يلمحون بها لموافقتها آراء من سبقهم الى معرفة النسب ولو على سبيل الظن أنهم أفادوا منها, وأما مادة الخلاف مع علم الاوائل فان غاية ما ينبغي ان يدركه الباحث مصادرها والا باتت دون جدوى في خضم الاراء المعتبرة.