الكاتب :
فادي جيكور أن الرواية الرسمية التي طبقت بشهرتها الآفاق وأضحت أشهر من نار على علم واهتبلتها الفضائيات المغرضة فرصة ذهبية لأبراز مدى الحيف التأريخي الذي حاق بأتباع أهل البيت ونسجت الماكنات الأعلامية الحاقدة على منوالها فصولا حزينة من التباكي والولولة والنشيج على المظلمة الجديدة / القديمة وقدمتها في أطار ما أصبح يعرف بالمسألة الشيعية الدولية ، هذه الرواية طبعتها سمة لا تكاد تخفى على كل مراقب تابع بأذن واعية وبصر ثاقب تداعيات الحدث العراقي وعاصر أرهاصاته المتتابعة ، ألا وهي النفس الأقصائي الحاد الذي لم يفارق أيا من الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الأحتلال ( مجلس الحكم ، الحكومة الأنتقالية / علاوي ، الحكومة المؤقتة / الجعفري ، الحكومة الدائمة / المالكي ) بل ان هذه السمة صارت لصيقة كل السياسات والأجندات والبرامج والتدابير والخطط والأجراءات المعلنة والمضمرة في عراق ما بعد الأحتلال ، حتى يصح القول أن التهميش والألغاء يرقى ألى مستوى آيديولوجيا عقائدية شائكة ولدت في رحم الكيانات السياسية القادمة مع عاصفة الأحتلال وشقت طريقها – بل حفرته حفرا – وسط كل ما أعلن حينها عن تشدقات فارغه ووعود كاذبة بأقامة نوع من عراق ديمقراطي / تعددي / فيدرالي / حر .
فلو عدنا لننقب في أدراج المؤسسة الرسمية المثقلة بضروب التحقيقات المبتورة النهايات وقدحنا زناد الفكر تحليلا وتفسيرا لوقائع الساعات الأخيرة التي سبقت وعاصرت ثم أعقبت الحدث الجلل لرأينا شيئا عجبا ، اذ تطغى على تقرير الواقعة أجواء من التحامل البين وتموج تفاصيله بشتى أصناف الأفتراءات والمغالطات التي كان من الضروري تحييدها في هكذا مسألة مفرطة الحساسية ، والتقرير يرتكز في مجمله العام الى حزمة من الأدلة الظنية الضعيفة التي لا تصمد أمام النقد العلمي ويفتقر ألى أي نوع من القرائن القطعية ذات القيمة ، أما المنحى الطائفي المتشنج فأنه لا يخفى على من أوتي قدرا يسيرا من الحياد والموضوعية ، وقد صيغت أدق تفاصيله في خلفية مشوبة بالتوتر والغضب ، كما تلحظ تلك النزعة الأتهامية مهيمنة على روح التقرير وفحواه .
ورغم أن المحذور وقع وباب الفتنة كسر وتتابعت الأحداث سراعا عقب الحادث /المنعطف بحيث لم يكن بالمستطاع لجم تدهورها المجنون ألى ما لم تحمد عقباه ، فأن تسليط ضوء يسير من الحقيقة على الجانب الخفي / المخفي من الواقعة يبدو من الأهمية بمكان ، نظرا لأصرار المؤسسة الرسمية على الرواية المفتراة وترويجها لنظرية الأستهداف الطائفي ورفضها الأستماع ألى ما يخالف السائد المطروح وممارسة شتى أشكال الأرهاب الفكري ضد كل من سعى ألى التشكيك ولو تلميحا بما أعتبرته وجها وحيدا للحدث .
1. لا يصدق من له مسكة عقل أن مشهدا معتبرا في نفوس أتباعه ومريديه –وهم السواد الأعظم في حكومات بغداد – بما له من مكانة رفيعة وسطوة روحية يترك هكذا مكشوفا دون حرز أو حماية تسعفه أذا ما أدلهمت الخطوب واكفهرت الأحوال ، وهذا ما كان ، اذ سارعت وزارة الداخلية ألى أستقدام لواء من المغاوير ( القوات الخاصة ) وعهد أليه بواجب السهر على رعاية المشهد والدفاع عنه أمام النوازل وغائلة الزمن ، لكن ما لم يكن هو أن هذا اللواء " غاب " أو " غيب " يوم مست الحاجة أليه ، وترك المشهد فريدا وحيدا أعزلا أمام مصير حالك ، انها ظلال الشك تتسلل الى الدور المشبوه الذي لعبه لواء تبخر بقدرة قادر ! .
2. وقصة أطنان المتفجرات التي زعم أنها أستخدمت لهدم المشهد يعوزها الكثير من المصداقية ، فالأنفجار الهائل الذي أحال المرقدين العسكريين جذاذا كان على ما يبدو ثمرة جهد دقيق منسوج بحبكة رفيعة بين مخطط وممول ومجهز ومنفذ ، أذ تطلب شحنة ناسفة ضخمة يستحيل عمليا تهريبها ألى قلب أي مدينة دون أن تفضح وينكشف أمرها ، وثبت لاحقا أنها زرعت بطريقة هندسية توخى القائمون عليها تلافي أي أحتمال بنجاة الهدف ، والأمر برمته أستغرق بعدا زمنيا يصعب توفره لغير من وكلت أليهم مهمام أمنية محددة .
3. ومن وجهة نظر منطقية بحتة ، وبعيدا عن تهافت الأدلة الموضوعية المتصلة بالواقعة ، فأن أحتضان بلدة كسامراء يشكل فيها أهل السنة أغلبية مطلقة لمزار شيعي قرونا طوال رغم تبدل الأحوال وتقلب الظروف لهو في حد ذاته صك تبرئة خالص ومرتكز دحض رئيس يلقم الأفواه المتقولة حجرا ويكبت الأصوات النابحة شرا ويشوه الوجوه الصفر العابسة دهرا .
4. كما من الأنصاف التذكير بحكمة الفصائل المقاومة العاملة على الساحة العراقية ، حكمة وأناة وبعد نظر أتاح لها فرص البقاء وأشتداد العود والأمتداد بأنساق طولية وعرضية في مفاصل الفضاء الأجتماعي والسكاني وخلق حالة من القبول الشعبي قوامها مشروع للعمل التكاملي المشترك يرتكز على فتح قنوات متبادلة تضمن تأسيس شكل من أشكال الحواضن الخلفية لعناصر المقاومة المتخفية يسهل في كنفها الأندساس بسهولة بين صفوف غير المقاتلين دون خوف أو وجل وبافتراض تحلي الحاضنة بأقصى حد من التعاطف مع أهداف ومطامح المسلحين المناؤين الأحتلال ، ومن جانبها تعمل خلايا المقاومة على أشباع حاجة معنوية لأنصارها من السكان المدنيين هي أسترداد الكرامة السليبة والحد من غلواء العدو وغطرسته وغروره ، لقد فهمت المقاومة باستيعاب أحد أهم دروس الصمود أمام عدو يمتلك تفوقا ساحقا في القوة النارية والتكنولوجية واللوجستية والأستخبارية وهو الحاجة ألى التأييد من أوسع شريحة ممكنة من الناس والسعي لتوسيع قاعدة الدعم والنصرة وتجنب كل ما من شأنه تأليب الجمهور واستعدائه .
5. ومما يثير الحفيظة ويزرع غابة من علامات الأستفهام ويحرك نظرية الموآمرة تلك السرعة التي أستجابت بها قطعان المجرمين وزمر الأوغاد لأستنفار سادتهم وكبرائهم لتشرع في تجاوز الخط الأحمر العتيد الذي لم يسبق لغيرهم التجرؤ على الدنو منه ، اذ لم تمض سويعات قلائل على الحادث حتى افتتح عهد جديد في تأريخ الصراعات المدنية والحروب الأهلية لم يسبق له نظير ، وقدمت تفاعلات الواقعة أنموذجا رهيبا للعنف الطائفي نزلت بالصراع العراقي الداخلي الى أسوأ دركات الأمثلة التأريخية الحية ، وأكذوبة العفوية المزعومة التي حاول البعض تقديمها تبريرا لما جرى لا تنطلي على أحد ، فليس من العفوية والعشوائية في شيء أن تنطلق عاصفة القتل الوحشي والتعذيب الهمجي والتهجير القسري بهذا الأتساع والسرعة ولا تصلح بأي حال لتسويغ ما رافقها من فظائع وأنتهاكات ترقى ألى مستوى التطهير الطائفي المنظم ، فضلا عن انها تركت شرخا عميقا في جدار " الوحدة الوطنية " المزعومة لازال يتسع يوما اثر يوم . ولكنه أمر دبر بليل وشرك نصب سلفا وخديعة حبكت بعناية ، لقد استلزم الأمر أياما طوالا وليالي نحسات لتتراجع حدة الأستباحة الكبرى لمدن وشوارع ودماء وأموال وأعراض أهل السنة ، أيام وليال بدت كالدهور والناس تبصر بيتا يهدم ومسجدا ينسف ومصحفا يحرق وبريئا يذبح وتبلورت لديهم قناعات جديدة عن مدى هشاشة اللحمة وضعف الوشائج ووهن الأواصر التي كانت يوما تجمعهم مع " الآخر " الذي بدا لهم منه ما لم يكونوا يحتسبون ، واللجة حلت محل القوارير الممردة ، وتبينت أبعاد السراب الذي حسبه الظمآن ماء .
لقد نزل بساحة أهل العراق طارئ لم يعهدوه ولا وطنوا أنفسهم على تلقيه ، بل لم يخطر في بال أحد منهم وأن في أسوأ كوابيسه أن يظطر يوما لأمتشاق سلاحه ليدفع عن نفسه وأهله خطر أسوأ الميتات لا على يد الدخيل الغاصب بل بخناجر غدر الجار والصديق وربما القريب والحميم . ان مأزقا أجتماعيا من هذا العيار الثقيل لا يشي في المنظور المستقبلي الواقع ضمن قدرة الفرد العادي على التكهن الا بتشظ تبرق اليوم في الأفق أولى سحبه المبكرة ، تشظ وتمزق وتفتيت سيكون على الراجح دمويا ملئ الكلمة من معنى ، وعلى العقلاء اللاهثين وراء حلول سحرية لوقف الأنزلاق السريع نحو الأصطدام أن يبحثوا عن " أساليب تقليل الخسائر " بدل الجري خلف الأشباح ومطاردة الدخان .