ضيف الموقع : Dr.almakhzomy
معجم خطط بغداد
الدروب [1] dr.almakhzomy
لاغرو ان جملة العوامل التي حملت الخليفة المنصور على الانتقال من الكوفة الى الهاشمية ثم بغداد، وان تجواله بحثا عن عاصمة، واستشارته ذوي الحجى والخبرة؛ استطاعت ان تصقل موهبته في رسم صورة للمدينة التي ستكون حاضرة الدولة الإسلامية
ويبدو ان الخطة العامة للمدينة المدورة كانت من ابداع المنصور الشخصي، وبالرغم من ان التطبيق الفعلي لتحديد خطة المدينة اسند الى بعض خاصته من اهل الكوفة( ) ولكن الخليفة كان يتابع المهمة بنفسه، فقد أمر أن تخط بالرماد((ثم سار ونظر الى خطط الفصيل والابواب والاقواس والساحات والخندق، ثم امر بان توضع بذور القطن على طول خطوط الرماد، وصب على البذور النفط وأوقده؛ فلما ابصر لهيبها امر بارساء الاسس على تلك الخطوط))( ) .
واشار الطبري الى ان المنصور اعتمد في جمع العمال على بلاد الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة( ) ؛ ويرى اليعقوبي: ان البناء لم يبتدئ إلا بعد ان اكتمل وصول مائة ألف عامل من مختلف الأصناف( )؛ وعلى الرغم من هذا الرقم يشعر بالمبالغة لدى بعض المستشرقين، إلا انه يعكس عندهم مدى سعة المشروع( )؛ ومهما يكن من أمر فان المصادر أشارت الى أن الخليفة وضع أول لبنة بنفسه( ) ؛ وانه كان يتلو في ذلك الآية الكريمة ((بسم الله الرحمن الرحيم، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين))( ).
وكانت أسبقية التشييد في مدينة السلام المدورة التي أصبحت تشكل- فيما بعد- الجانب الغربي الذي شهد بدوره توسعا كبيرا منذ فترة مبكرة، وهذا ما جعله الجانب الأهم حتى القرن الرابع الهجري؛ اذ بدأ باقطاع المنصور أسرته وقواده وحاشيته الاقطاعات، فشيدت الدور الفارهة وما يرافقها من أسواق لسد حاجة السكان، وكان بالضرورة أن يوافق حركة البناء والنمو المضطرد تقاطر أعداد كبيرة من العمال والصناع على أنواعهم ومهاراتهم والتجار ومن ثم الفقهاء والعلماء وذلك للقيام بما يغطي مستلزمات السكان التسويقية والفكرية وإرساء مجتمع متكافل؛ وهذا كله يستدعي تشييد بيوت لهؤلاء العامة تكتنفها طرقات فيها بعض الخدمات كالمسجد والسويقة سميت دروب، وتتصل هذه الدروب بالشوارع والأسواق.
وقد اشار اليعقوبي الى ازدحام الجانب الغربي في وصف منطقة باب الشام وحواليها، وذكر أصول بعض سكانها وفيهم من اهل اليمامة والكوفة وخوارزم ومرو الروذ وطخارستان وبخارى، كما يذكر إن عند سوق باب الشام ((تمتد في شارع عظيم فيه الدروب الطوال، كل درب ينسب الى اهل بلد من البلدان ينزلون في جنبتيه جميعا إلى ربض حرب بن عبد الله البلخي، وليس ببغداد ربض أوسع ولا اكبر ولا اكثر دروبا واسواقا في الحال منه ))( ).
أما الجانب الشرقي فقد تأخر استيطانه ونموه عن الجانب الغربي بضع سنين، والذي اقطع – أصلا- لجند المهدي، ولم تذكر المصادر من الاقطاعات والمساكن التي كانت فيه إلا ما كان لعدد قليل من رجال الأسرة العباسية وكبار الموظفين والقواد، كما ذكرت عددا من القصور ومن الأسواق الضخمة؛ وهذا يرجح ان الجانب الشرقي كان اقل ازدحاما بالسكان( ).
وقد وصف اليعقوبي هذا الجانب بأنه ((كان أوسع الجانبين أرضا؛ لان الناس سبقوا إلى الجانب الغربي، وهو جزيرة بين دجلة والفرات، فبنوا فيه وصار فيه الأسواق والتجارات؛ فلما ابتدىء البناء في الجانب الشرقي امتنع على من اراد سعة البناء))( ) .
وان الهيكل التخطيطي لأية مدينة قد يتغير بمرور الزمان وبتغير أهليها؛ فكيف بغداد التي كانت مقصد كل جنس، وناصيتها كانت مطلب كل ذي سلطان؛ فلا ريب أن تتغير خططها على عهد اليعقوبي ت284هـ منذ أيام المنصور، وما صارت إليه من تطور واتساع؛ فقد ((مات المتقدمون من أهلها، وملكها قوم بعد قوم، وجيل بعد جيل، وزادت عمارة بعض المواضع، وملك قوم ديار قوم، وانتقل الوجوه والجلة والقواد وأهل النباهة من سائر الناس مع المعتصم إلى سر من رآه، ثم اتصل بهم المقام في أيام الواثق والمتوكل، ولم تخرب بغداد ولا نقصت أسواقها؛ لأنهم لم يجدوا منها عوضا))( ) .
وهكذا الحال عند مؤرخي بغداد على عصورهم وما وصلنا من كتبهم، نحو: ابن الفقيه الهمداني في القرن الرابع، والخطيب البغدادي في القرن الخامس، وابن الجوزي في القرن السادس، وابن النجار في القرن السابع، ناهيك عن ما كتبه ياقوت عن خططها؛ فكل منهم كان يذكر دروبا أو سككا قد هجرت في الفتن أو الأوبئة، وأخرى هدمت بحريق أو فيضان، وثالثة انتعشت الحياة فيها وأضحت محلة كبيرة؛ ونجد –أحيانا- دربا يمت بصلة إلى حرفة قد انتقل من جانب الى جانب، ودربا باسم رجل قد تغير لان لكل زمن دولة ورجال؛ وعلى هذه وغيرها فان دروبا تحافظ على وجودها واهميتها، فيذكرها اغلب المؤرخين، وغيرها تنشط وتشتهرفي عصر معين تزول بزواله.
وفي اللغة: الدَّرْبُ: مَعروف. قالوا: الدَّرْبُ بابُ السِّكَّة الواسِعُ؛ وفـي التهذيب: الواسِعة، وهو أَيضاً البابُ الأَكبَر، والـمعنى واحدٌ، والـجمع درابٌ. أَنشد سيبويه:
مِثْلَ الكِلابِ، تَهِرُّ عند دِرابِها * ورِمَتْ لَهَازِمُها مِنَ الـخِزْبازِ
وكلُّ مَدْخـلٍ إِلـى الرُّومِ: دَرْبٌ من دُرُوبِها. وقـيل: هو بفتـح الراءِ، للنافِذِ منه، وبالسكون لغير النَّافِذِ. وأَصل الدَّرْبِ: الـمضِيقُ فـي الـجِبالِ؛ ومنه قَولُهُم: أَدْرَبَ القومُ إِذا دَخَـلُوا أَرضَ العَدُوِّ من بلادِ الرُّوم. وفـي حديث جَعْفَرِ بنِ عمرو: وأَدْرَبْنا أَي دَخَـلْنا الدَّرْب. و الدَّرْبُ: الـمَوْضِعُ الذي يُجْعَلُ فـيه التَّمْرُ لِـيَقِبَّ( ).
الدَّرْبُ: بالفتح؛ والدرب: الطريق الذي يُسلك: موضع ببغداد؛ نسب إليه عمر بن أحمد بن علي القطَّان الدَّربي، حدث عن الحسن بن عرفة ومحمد ابن عثمان بن كرامة، روى عنه الدارقطني( ). .
وندر ما ورد بصيغة عقد؛لان العقد- في اللغة- : ما عقدت من البناء ، والجمع أعقاد وعقود . وعقد : بنى عقدا . والعقد : عقد طاق البناء ، وقد عقده البناء تعقيدا . وتعقد القوس في السماء إذا صار كأنه عقد مبني . وتعقد السحاب : صار كالعقد المبني . وأعقاده : ما تعقد منه ، واحدها عقد( ) . -
وقد ذكر ابن النجار(عقد الحديد)في ترجمة: عبد الوهاب بن بزغش بن عبد الله العيني ، أبو الفتح بن أبي محمد المقرئ ت612هـ ختن شيخنا أبي الفرج بن الجوزي ...كان يصلي أماما بالمسجد الجديد بسوق الخبازين عند عقد الحديد( ) وعثمان بن سعادة بن غنيمة المعاز أبو عمرو اللبان ت586هـ: كان له دكان عند عقد الحديد قريبا من البدرية( ). و(عقد الجديد) في ترجمة:عمر بن [ حمدين ] خلف بن أبى المنى البندنيجى ، أبو حفص ...كان شيخا ... متقطعا في مسجد بالريحانيين عند عقد الجديد( ) .
وحدد ياقوت(عقد المصطنع)بقوله:رحبة جامع القصر مشرقا حتى تتجأوز عقد المصطنع وهو باب عظيم في وسط المدينة فهناك طريقان أحدهما يأخذ ذات اليمين إلى ناحية المأمونية وباب الازج والآخر يأخذ ذات الشمال مقدار رمية سهم إلى درب يقال له درب النهر( )
ومهما يكن من امر فان لفظة عقد كانت قليلة الاستخدام، في حين ظلت لفظة درب اكثر شهرة يستعملها اهل بغداد حتى يومنا هذا.
ومن الجميل أن يطوف باحث – اليوم – على بغداد العاصمة، ويتنسم طلول الحضارة لقرون خلت، ويتلمس بعضها هنا أو هناك؛ لكن من الأجمل أن يطل على حاضرة الدولة العربية الإسلامية في أسفار التاريخ، فيرى بغداد التي ظلت في خلد العظماء أم الدنيا، ومن لم يرها لم ير الدنيا؛ بغداد التي كانت صرحا والأيام صحارى، أول ما يرى هذا الشموخ نابعا من مبعثها على يد المنصور بين دجلة والفرات بأسوارها وأبوابها وطاقاتها وقطائعها وأسواقها وشوارعها فدروبها.
وكانت الدروب هي الخلية الصغرى في الهيكل التنظيمي للمدينة، وهي الشرايين التي تنبض بالحياة في بغداد وتدب بالحركة في أوصالها، ولما كانت حركة الإنسان هي التاريخ، كان حريا بالمؤرخ أن يعنى بالدرب الذي مهده أو نزل فيه أو كتب وتحدث فيه أو صلى في جامعه أو توفي ودفن فيه وألوان أخرى تجدر بعناية التاريخ في الدرب أكثر من بقية المفاصل.
ومن هنا إن ازدياد عدد الدروب وانتشارها كانت تجسد أهميتها الخططية، بل إن دراسة الدروب في بغداد تكاد تكون دراسة للخطط اغلبها؛ وهذا الأمر بقدر ما هو مؤرق بازدحام الأخبار والشخصيات فانه يطيب عنده توا شج المعرفة، وقد أنعمت منهلا برغبة أستاذي في تناوله، إذ خففت وطأة البحث عن أديم كاهلي.
أما المصادر وان كانت غزيرة المادة فإنها قليلة حيث لم تتجاوز المصنفات التي أرخت لبغداد أصابع اليد، وان كانت كثيرة قياسا بباقي المدن، وهذا إنما يدل على وقعها التاريخي واهتمام المؤرخين بها بما يتناغم مع أهميتها؛ فقد اعتمدت بدرجة كبيرة على مؤرخي بغداد في القرنين الخامس والسادس هما الخطيب البغدادي وابن الجوزي، وعلى نحو اقل مع ابن النجار البغدادي وابن الفقيه الهمداني وياقوت الحموي؛ أما الكتب الرجالية فكانت تحفل بحياة المترجمين وقد تطل على مواطنهم ومساكنهم؛ وبهذه المصادر وبغيرها من المراجع استطاع البحث أن يستتم أدواته وينجز النجاح ومن الله التوفيق.
الهوامش:
1( ( الخطيب:تاريخ بغداد 1/70
2( ( الطبري تاريخ الامم والملوك 3/277.
3( ( تاريخ الامم والملوك 3/276.
4( ( .البلدان 238
5(( ا لسنر:خطط بغداد في العصور العباسيةالاولى(مطبعة المجمع العلمي العراقي1984)138
6( ( الطبري تاريخ3/274
7( ( ابن الطقطقى: الفخري 219 ؛ سوررة الاعراف،اية 128
8( ( .البلدان 248.
9( ( العلي:معالم بغداد الادارية والعمرانية(دائرة الشؤون الثقافية العامة-بغداد1988م)279 .
10( ( البلدان 251
11( ( البلدان254
12( ( ابن منظور لسان العرب(دار صادر) (درب ).
13( ( .معجم البلدان (درب )
14( ( ابن منظور .لسان العرب - 3 /297
15( ( - ذيل تاريخ بغداد - ج 1 ص 197
16( ( - ذيل تاريخ بغداد - ج 2 ص 142
17( ( - ذيل تاريخ بغداد 5 / 49
18( ( - معجم البلدان - 4 /315